إضافة رد
  #1  
قديم 10-07-2014, 07:35 AM
The Queen The Queen غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2014
المشاركات: 18
بمعدل: 0.02 يوميا
الإقامة: مصر أم الدنيا
الوظيفة: طالبة
التقييم: 10
The Queen is on a distinguished road
افتراضي العين الثالثة

العين الثالثة

عندما قرأ الإعلان لأول مرة، لم يصدق ما التقطته عيناه، واعتقد أن في الأمر سخريةً مّا من هَوَى الناس، وأن صاحب الإعلان أحدُ من يجد راحته في العبث بأحلام الآخرين وأمانيهم. وكان الإعلان يقول: "ّافتتح الدكتور التيبتي كيلزانغ تسانغيانغ عيادته لفتح 'العين الثالثة' لكل من يرغب في ذلك. ثمن إجراء العملية مناسب، وقابل للتخفيض حسب الحالات. ملحوظة: ستغلق العيادة بابها بعد شهر من تاريخ هذا الإعلان، إذ سيرحل الدكتور إلى بلد آخر للقيام بنفس المبادرة". تساءل فيما بينه وبين نفسه: هل يعيش في الحقيقة والواقع، أم أنه يتنفس* نسائم تحقيق الأماني في عالم الأحلام؟

**** وسؤاله هذا له مشروعيته ووجاهته؛ فلقد تتبع شريطاً وثائقياً عن التيبت وثقافتها وعاداتها، واستوقفه التركيز على هذه التجربة التي يتعارف عليها رجال الدين هناك ــ اللامات ــ باسم العين الثالثة. وسرعان ما تحوّل فتح هذه العين في جبهته، أعلى قليلا من مستوى الحاجبين، يتصدر سائر أمانيه. وراح يتخيل أن لو فتحت له هذه العين، فكم من فوائد سيجنيها، وفي نفس الآن، لا يحيط بمدى خطورتها أحد من عموم الناس. وأولها أن هذه العين تشاهد الهالات المحيطة بسائر الناس، وتقرأ الخطوط المتشعبة فيها، مثل الخطوط المميزة لأوراق الشجر، المعبّرة عن النوايا الحقيقية لكل فردٍ فرد. وثانية فوائدها أنها ستمكنه بسرعة فائقة من معرفة العدو من الصديق، والكاذب من الصادق، فيتصرف مع كل واحد بالذي يليق به من تعامل. أما أعظم فوائدها على الإطلاق، فهي التميُّز على سائر من لا يملكونها، والانفراد بامتلاك هذه القوة الخفية الكامنة وراء تلك العين، والتي بفضلها يخترق حُجُب النفوس، وكفاك بتلك فائدةً جُلَّى.

**** ومن ثمَّ، فقد هرع إلى العيادة، في الصباح الباكر من اليوم التالي، فاعتراه ــ أول ما اعتراه ــ الشك مجدداً في العيادة وفي الإعلان على السواء؛ إذ لم يجد أحداً بالباب، وقد كان ينتظر أن سكان المدينة سيتدفقون على العيادة طلباً لفتح العين الثالثة*!*بل وإنه كان يخشى قدوم راغبات وراغبين من سائر أرجاء البلاد. وربما سمع بعض من يقيمون خارج أرض الوطن بمضمون الإعلان، فطاروا وحضروا لينافسوا أهل البلد في إقبالهم أفواجاً وزرافات، وتطويقهم لعيادة الدكتور، حتى وإنَّ عين خياله رأت حركة المرور تتعطل بهذه الحشود الغفيرة التي قد لا يكفي نساءُ ورجالُ أمْنِ المدينة لتنظيمها، فتأتي النجدة ــ أو النجدات ــ من الولايات والأقاليم الأخرى.

**** لا شيء من هذا قد حدث بالفعل، وإنما هو ظل بباب العيادة إلى أن قدمت المسؤولة عن استقبال الزائرات والزائرين، وسبقته إلى المكتب المتواضع الذي كان يتوسط الحجرة المجاورة لقاعة الانتظار التي ظلت شاغرة من كل وافد طيلة المدة التي كان هو فيها هناك.

**** استقبلته فتاة في العقد الثالث من عمرها، بسيطة في كل شيء؛ في لباسها، وزينتها، وفي نظرتها، وتعاملها. وأشارت إليه بأن يجلس في المقعد الذي يقابل المقعد الذي استقرت هي فيه وراء المكتب. سألته بطريقة مباشرة:

**** ــ ما هي رغباتك؟

**** ولم يهتم بسؤالها، وإنما عمد هو إلى استفسارها عما يحيّر فكره، ويبلبل باله، ويعكر عليه صفو خاطره، *فقال باستنكار:

**** ــ أين هم بقية الناس؟ لِمَ لم يقدم أحد منهم حتى الآن؟*!

**** فأجابته بهدوء وتلقائية:

**** ــ لا يُزعجنَّك هذا الغياب.. فالأمور تبدأ عندنا دائماً بواحد أو اثنين. وفي الأغلب الأعم، ما إن ينتصف الأسبوع حتى تشتغل غرفة العمليات أربعاً وعشرين ساعة على أربع وعشرين، ويتجند مرافقو الدكتور لإنجاز العديد من العمليات المتآنية.. ثم بعدها بقليل..

**** وتجمدت شفتاها عند هذا الحد، فتوقفت للتو عن الكلام. فقال متلهفاً:

**** ــ ثم بعدها بقليل؟

**** رمقته بنظرة ذات مغزى، وكأنما هي تقول له: "يا مسكين*! *لِمَ كل هذه العجلة؟ اصبر قليلا، وستدرك كل شيء بنفسك*!". *ثم عادت إلى ما كانت فيه، وسألته مجدداً:

**** ــ ما هي رغباتك؟

** **ــ طبعاً، رغباتي كلها ترتد، في نهاية الأمر، إلى رغبة واحدة هي: إنجاز عملية فتح عين ثالثة لي.

**** ــ هل أنت متزوج؟

**** ــ نعم. هل تتطلب هذه العملية موافقة الزوجة؟*!

**** ــ لا، وإنما لأسألك: هل ترغب في أن تُجْرَى نفس العملية لزوجتك؟

**** فانتصب واقفاً وقال صارخاً كمن لدغته أفعى:

**** ــ أبداً، أبداً.. أنْ تتم نفس العملية للزوجة، أمرٌ غير وارد؟

**** ــ ولِمَ ذلك؟ أليست هي مثلك أيضاً، متشوقة لرؤية حقيقة الناس في وضح النهار؟

**** ثم سألته متخابثة:

**** ــ أم أنك لا تريدها أن تقرأ في هالتك، حقيقة ما تضطرم به نفسك؟*!

** *فأسرع يقول، وهو يعود إلى مقعده، ويتظاهر بتملكه لزمام أمره:

**** ــ كلا، ليست المسألة كما تصورتِها؛ فليس بيني وبين زوجتي ــ والحمد لله ــ كبير شيء أخفيه عنها وتخفيه عني.. وإنما هذا النوع من العمليات جديد على محيطنا، غائب عن مجال تفكيرنا، إنه قادم من ثقافة أخرى، وكأنما هو بيضة أنثى المريخ تستقدم من جزر الواق واق، كما في تلك القصص الشعبية الذائعة الصيت.. لذلك، فكرت في أن أبدأ أنا أولا بخوض التجربة، وحسب ما ستتمخض عنه من نتائج ــ أرجو أن تكون كلها محمودة ــ آتي بالزوجة، وبالأقرباء.. وقبل متم الشهر إن شاء الله.

**** تظاهرت بتصديقه، وراحت تسأله، وقد أنهت رقن آخر حرف صدر عنه:

**** ــ ولماذا تريد إنجاز هذه العملية؟

**** صدمه ما سمعه منها؛ فلم يكن يتوقع أن تَطْرَح عليه مثل هذا السؤال. رماها بنظرة تستجلي الجد من الهزل في سؤالها، فلما رآها جادة في طرحه، وهي تضع أصابعها على لوحة الحاسوب، متهيئة بذلك لرقن إجابته، أجاب بنبرة جادة أيضاً:

**** ــ مزايا هذه العين الثالثة لا تخفى عن الصغير قبل الكبير. وكيف تخفى عنهما، وهي من شأنها أن تزودنا جميعاً بمعرفة حقة ومؤكدة عن كل شخص نواجهه ويواجهنا، وتمكننا من الإحاطة بما يبطنه ــ بينه وبين نفسه ــ من نوايا؟ إنني أقدّر ما لهذه العين الثالثة من قيمة في رؤية الهالة المحيطة بسائر الأشخاص، وإنني لأضيف أيضاً رغبتي في تلقن علم قراءة خطوط الهالة؛ وإلا، فكيف سأفهم من مجرد رؤيتها ــ بدون تلقي مبادئ مثل هذا العلم وفصوله وفروعه ــ ألغازَ ما تنطوي عليه النفوس من أسرار؟

**** وكان قد وقف على أن علماء التيبت ــ وهذا الدكتور واحد منهم ــ الذين ينجزون مثل هذه العملية، يبدأون بفتح شيء كالثغرة الصغيرة فوق ملتقى الحاجبين قليلا، ثم يعالجونها فيمحى لها أثر كل ضرر، وحينها يبصر صاحبُها كلَّ إنسان وقد أحاطت به هالة مختلفة الألوان، توزعت بها خطوط إن تجاوز المرء تشبيهها بخطوط أوراق الشجر، رغبة منه في مزيد من الدقة، فإنه لواجد صورة تقريبية لها في شباك بيوت العناكب. وهذه الألوان والخطوط مرتبطة كل الارتباط بنوايا الإنسان، ومعبرة عنها، وعاكسة عكساً أميناً لكل ما يروج فيها. فإذا تعمّد المرء الكذب في شيء سئل عنه، فإن هالته تكتسي لوناً أحمر أو تقترب منه، وتغيُّرُ نظامِ خطوطِها يمكّن من قراءة حقيقة ما تتكتم النفس في البوح به. فرأى في هذا كله علماً يكتسي أهمية بالغة في التعامل مع الناس، وتصنيفهم، وكشف حقيقة نواياهم. وقدّر أن جميع الناس سيهرعون للفوز ــ من خلال هذه العملية ــ بمثل هذه العين الخارقة للعادة*!

**** وعندما أتم جميع الإجراءات، وأنجزت له العملية، وتعرّف في مدة وجيزة على دقائق علم قراءة الهالة، خرج إلى العالم، كشخص جديد ينقذف إلى الدنيا، واعياً، قادراً ــ بهذه العين الثالثة التي صار يمتلكها ــ على التمييز في دنيا البشر بين الخيِّر منهم والشِّرِّير.

**** ولكن العالم الذي وجده أمامه، ليس فيه من العالم الذي كان يألفه ــ قبل العملية ــ إلا ما في العسل المزيَّف من حلاوة ولون يقلد بهما العسل الحر تقليداً، فأما إن نفَذ نافذ إلى الصلب، فإنه لعائد من وراء المقارنة بصدمة الوقوف على وجه الخلل الفاحش في الشيء الذي كان يتباهى مزدهياً بفاخر المظهر وجميل الثياب*!

**** أصبح فإذا الدنيا غير الدنيا، والناس غير الناس*!*ففي البدء لقي من عنت الصراحة ما تتذوقه المتذوقة، وما يتذوقه المتذوق، من طعم الأمرّين*!*وحقاً، فقد يَفْتَقِدُ هذان الأمرّان مثل هذا الذوق المر الذي يصيب الألسنة بكل مكروه إذا ما هي اقتربت من سائلٍ كسائل الحنظل ــ مثلا ــ ولكن، ورغم هذا، فمن يُنكر جادّاً مرارةَ الفقر والهرم، خاصّة إذا اجتمعَـا وتعاشرَا متوادَّيْن متحديْن في حياةِ وبَدَنِ البَعْضِ من الناس؟

**** صدمته الحقيقة المكشوفة، مثلما يصدمُ *المرءَ التقاطُ السمع ــ دون قصد منه ــ لكلامِ سوءٍ يتلفظ به عنه لسانُ صديقٍ صدوقٍ في الظاهر، فإذا به يقول فيه ما لا يَشِينُ به لسانُ العدوّ عدوَّه بصريح العبارة النابية والتجريح الخادش. وحقاً، فليس أذمّ مما يجري على اللسان، من أن تسمع خفية أحدهم يقول عنك هامساً: "ليس الأمر كما يبدو لك في شأنه، وإنما هو في الحقيقة كيت وكيت، وفوق الكيتيْن، زدك هذا التفصيل وذاك، ودع الكلام سراً فيما بيننا، وعاهدني على ألا يطلع عليه من قبلك أي شخص كان". كلامٌ مثل هذا، يصل السمع عن طريق الصدفة، أليس جديراً بأن يقطّع نياط الفؤاد تقطيعاً؟*!* فما بالك وقد صارت العين ــ الثالثة ــ تقرأ ما تتكتمه الضمائر، وتنطوي عليه القلوب، ويستقرّ في أظلم زاوية من زوايا النفوس؛ ما بالك بها وقد تبدّت فجأة للنظرين، وطفت جهاراً فوق السطح، فتبين الحق من الباطل، وزاف ما زاف، وذهب كالزبد جُفَاءً، وصدق ما صدق، ورسا ككل ما ينفع الناس ماكثاً في الأرض؟

*** كانت الصدمة أهول مما قد يتصوره أي تقدير*!*فقد صار يطالع خطوط الهالات وألوانها، فإذا هو يكتشف من الحقائق ما يرقى بها إلى مصاف المآسي؛ فأما عند أبعد الناس، فذاك هيّن أمره، وأما عند أقربهم، وحتى عند الوالد والوالدة، وما ولدا، والزوجة والولد، فذاك ما كاد يصيبه بلوثة في العقل بعد المرض في الفؤاد، حتى لصار يشك في نفسه، ويهوله أمر وجوده بين هؤلاء وأولئك جميعاً. فما أتمّ الأسبوع، حتى هرول إلى عيادة الدكتور التيبتي كيلزانغ تسانغيانغ، وعرض عليه حفنة جديدة من المال، لكي يخلصه للحال من هذه العين الثالثة ومما تراه، سواء بسواء.

**** ويا لهول ما صادفه هناك*! طابورٌ طويلٌ، منظمٌ بجنود مجندين تفرغوا لإقرار النظام لكل الراغبين في إزالة هذه العين الثالثة، بعد أن حصلوا عليها، فكان أن قلبت حياتهم رأساً على عقب، ولم يعودوا يعرفون لطريقة التصرف، بل والمشي نفسه، فضلا عما اعترى منطق الخطاب من اضطراب؛ لم يعودوا يعرفون لهذا كله ــ وما يجري في دربه ــ مقراً ولا مستقراً، ولا السبيلَ إلى ضبطه، والتمييز فيه بين الضار والنافع، كما كانوا يفعلون من قبل، متوهمين في اعتقادهم ذاك السابق أنَّ ما كانوا يفعلونه إنما هو عين الصواب*!

*

شارك اصدقائك الان .. رابط الموضوع للنسخ
http://www.moolnt.com/vb/showthread.php?s=3536b4d6b17996231526a5577d82f842&t=22285

التعديل الأخير تم بواسطة همس القلوب ; 10-07-2014 الساعة 08:26 AM
رد مع اقتباس
قديم 10-07-2014, 08:28 AM   #2
همس القلوب
عضو ماسي
الصورة الرمزية همس القلوب
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 779
بمعدل: 0.62 يوميا
الإقامة: مصر
معدل تقييم المستوى: 4
همس القلوب is on a distinguished road
افتراضي رد: العين الثالثة

بارك الله فيكى على الطرح
والمجهود الرائع
همس القلوب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-07-2014, 08:39 AM   #3
ندى الورد
عضو مثالي
الصورة الرمزية ندى الورد
تاريخ التسجيل: Nov 2013
المشاركات: 5,314
بمعدل: 3.54 يوميا
معدل تقييم المستوى: 10
ندى الورد is on a distinguished road
افتراضي رد: العين الثالثة

قصة ممتعة حقا
وعاوزه تركيز
ندى الورد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-07-2014, 09:13 PM   #4
نسرين سليمان
عضو مثالي
تاريخ التسجيل: Nov 2013
المشاركات: 3,440
بمعدل: 2.29 يوميا
معدل تقييم المستوى: 8
نسرين سليمان is on a distinguished road
افتراضي رد: العين الثالثة

احيانا تكون رؤية الحققه صعبة

شكرا لك عالقصه الجميلة

واصل ابداعك
نسرين سليمان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
الموضوع: العين الثالثة الرد على الموضوع
اسم العضو الخاص بك:
للعلم - لكونك زائر - بعد كتابة ردك والضغط علي زر "اعتمد المشاركة" بالأسفل
سيتم انتقالك لصفحه اخري للرد علي السؤال العشوائي
-:(اسعدنا ردك وتفاعلك):-

مواقع النشر
أضف تعليق لك من خلال الفيس بوك

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:55 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.